في بيت عزائنا لجدتي

بسم الله الرحمن الرحيم

واضح أن العنوان كان يجب أن يكون "في بيت عزائنا بجدتي" بمعنى عزائنا بوفاة جدتي، لكني اخترت ان يكون العنوان "في بيت عزائنا لجدتي" وسوف تعلمون لاحقا لماذا.

 

 

 13/01/2008

في ذاك اليوم توفيت جدتي. كنت متوجها الى الجامعة لحضور إحدى المحاضرات حين أتاني الخبر. سأكون صريحا معكم واخبركم إن الخبر لم "يقع علي كالصاعقة"، ربما لأن طبعي يتسم بالبلادة وجمود الإحساس العاطفي. لكن عزوتي هي أن الخبر كان متوقعا لدي ولدى كل من أحاط بجدتي رحمها الله تعالى وأسكنها فسيح جناته، وهو ما اُلقي عليه عدم تأثري كثيرا بوفاتها.

أذكرها تماما حين كانت تزورنا كل يوم جمعة هي وجدي الذي سبقها الى ربه بست سنوات قضتها جدتي في قبضة أمراض عديدة لا يكاد يرخي زمامها أحدها إلا وقد قبض حياتها مرض آخر لا يتركها الا ليفسح المجال لمرض ثالث، ورابع وخامس، حتى كانت الوفاة. لكني لا أذكر من زيارة جدتي لنا إلا بعضا من التفاصيل أهمها الشيكل الذي كنا نحصل عليه أنا وأخوتي ونسرع به الى الحانوت القريب. لكن تدوينتي هذه الى جانب كونها خطا في دفتر ذكرياتي هي أيضا مكان سأكتب في ملاحظات تتعلق بوفاة جدتي مع أن جدتي بعيدة كل البعد عنها. أعتذر مسبقا إن تضايق أي منكم مما سأقوله.

 

 هناك عادة طيبة لا يزال مجتمعنا العربي المحافظ متمسكا بها وهي مواساة أهل الميت عند فقدهم، الامر الذي يتمثل بفتح "بيوت الأجر" او بيوت العزاء وفيها يستقبل أهل الفقيد المعزين من كل القرى والمدن المجاورة فيؤدون واجب العزاء ويشربون رشفة من قهوة "السادة" ويؤجرون على ذلك إن شاء الله. المشكلة ان بعض الناس يصرون أن لا يؤجرو على زيارتهم هذه رغم المسافات الطويلة التي يقطعونها للوصول الى بيت الأجر. ولن أتحدث عن كل أنواع الناس من هذه الشاكلة، لكني سآخذ أبرزها وهي فئة الشخصيات السياسية كما يطلقون عليها. وبعد أن اشكر كل من حضر وقدم واجب العزاء واسأل الله ان يثيبه خيرا على ذلك، لتسمح لي هذه الشخصيات ان اهاجمها قليلا.

فعلى مدى الأيام الخمسة التي استقبلنا فيها المعزين، جاءت الشخصيات السياسية والاجتماعية والدينية من كل حدب وصوب. والملفت أن الشخصيات السياسية هذه لا تستغل مناسبات مثل الأعراس فقط لأغراضهم الخاصة، بل حتى بيوت الأجر، فنرى الشخصيات السياسية تنتظر كل بيت يفتح للعزاء من أجل القدوم في وفد ترأسه الشخصية X ثم يأتي بعده بالدور الشخصية Y والذي كما يبدو سوف يتحالف معه في الانتخابات القادمة، وبالطبع كان Y ينتظر X ولا يدخل بيت العزاء إلا بعد أن يدخل X، وحتى لو تأخر X عن الوصول كان Y ينتظره خارجا في البرد القارس ونحن ننظر إليه وإن سألناه ان يتفضل كان يقول "شكرا لكني أنتظر جماعتي"، والذي يتبين لاحقا ان جماعته هذه هي الأفراد الذين سيكون لهم شأن في التحالف السياسي المقبل، ونقصد بذلك انتخابات البلديات وانتخابات الكنيست. فلم تكن هذه الشخصيات السياسية تدخل فرادى أبدا، بل يتفقون مسبقا على موعد محدد للقائهم في بيت العزاء، أو يلتقون في أول القرية ويأتون سوية. وكانت الوفود من هذا النوع بأحجام متفاوتة.. فمنها المكون من 5 أشخاص، ومنها العشرة، ومنها العشرين، ومنها ما هو فوق ذلك… واضح أن عدد افراد الوفد تعكس القوة والحنكة السياسية والجاذبية التي يتحلى بها الشخص الواقف على رأس هذا الوفد، وهو طبعا شخصية سياسية معروفة تنوي خوض إحدى العمليات الانتخابية المقبلة، ومعه زمرة من رفاق حزبه القدامى، ولفيف من اولئك الذين ينوون الانضمام الى حزبه في الدورة الانتخابية القادمة، معلنين بذلك عن اتحادهم ونيتهم خوض الانتخابات في قائمة واحدة.

واضح طبعا أن هذه الوفود التي كانت تمثل أحزابا سياسية ستتنافس قريبا على مقاعد ووظائف قد كانت تتحرى ظروف بيت العزاء قبل القدوم، فكان الحزب X يأتي الى بيت العزاء فقط بعد أن يتأكد أن الحزب المنافس Y قد جاء ورحل، درءا للفتنة التي قد تنجم عن التقاء الضدين في مكان واحد ويحدث هرج ومرج وحرج، خاصة إن فوجئ وفد الحزب Y بأن وفد الحزب X يضم شخصا كان المفترض أن يأتي معهم هم، لا مع الحزب المنافس … لكنها "الحرب خدعة" ، و "مصائب قوم عند قومٍ فوائدُ" !!

من خلال بيت العزاء هذا إذا، تمكننا بدون بذل أي مجهود من معرفة خارطات التحالفات السياسية المقبلة للأحزاب العربية، والحقيقة أنه كانت هناك مفاجآت كثيرة :)

لن أنسى أيضا أن أذكر أن الشخصية المرموقة التي كانت تحضر لم تكن ترحل إلا بعد أن تحصل على فرصة لإلقاء كلمة (يفترض أنها موعظة) حيث تتشبث بالميكروفون ولا تتركه الا بعد أن يبدأ الناس بالمغادرة من شدة الملل.

هناك أمر آخر وأخير يستحيل أن لا اذكره.. وهو الأخلاق العالية لبعض الناس الذين لا يراعون حرمة ميت ولا احتراما لضيف في بيت عزاء، يصرون على عقد طوشة يتخللها اللكم والرفس وضرب العصي والسكاكين وحتى السيوف، ولا يجدون مكانا لذلك إلا أمام بيت العزاء، فلهؤلاء ننحني احتراما وإجلالا.

كنت قد ازمعت ان اجعل هذه التدوينة بابا منه أنفذ الى محاسن جدتي رحمها الله، لكني قررت أن أحولها لذكر ما ذكرت، بعد أن سكتُّ وسكتُّ وسكتّ. وعليه فقد تحول البيت الذي كان يفترض أن نـُعزَّى فيه بوفاة جدتي، صار بيت عزاء نـُعزِّي نحن فيه جدتي على ما صار إليه بيت عزائنا بها.

  لكني أبدا لا أنسى اولئك من طيبي القلب وأرجو منهم أن يسامحوني ويصفحوا عني، والذين جاؤوا لا لسبب إلا للإخوّة والحب في الله، لم يقصدوا أن يراهم الناس ويقولو "جاؤوا" ولا لابراز عضلاتهم او عددهم وعدتهم، ولم يقصدوا إلا تقديم واجب العزاء والتخفيف عن أهل الفقيدة رحمها الله وأسكنها فسيح جناته هي وسائر موتى المسلمين إن شاء الله آمين.

http://www.pls48.net/default.php?sid=25776 

 

عن الراصد (معاذ خطيب)

الراصد - معاذ خطيب، مدوّن وناشط سياسي واجتماعي وأكتب في النقد الاعلامي والسينمائي. أعمل في الترجمة والتدقيق اللغوي وادارة العلاقات العامة. مسلم فخور بإسلامه، واتشرف دائما بإظهار محاسن الاسلام وبتصحيح مفاهيم مغلوطة عنه. إن اردت معرفة تفاصيل اخرى مهمة جدا، مثل لماذا يكرهني محبّو اللون الأحمر ، افتح ملفّي الفيسبوكي في الرابط الّي تحت هذا السطر. مدوّناتي الاخرى هنا: http://Al-Rasid.com

شاهد أيضاً

قصيدة إلى زائرتي ليلاً

أنتظر زيارتك كل ليلة تدخلين عليّ حجرتي، تدورين حول سريري، وبيديك الحانيتين تداعبينني أنام فقط …

4 تعليقات

  1. عظم الله اجركم اخي … رحم الله جدتكم وغفر لها

    اما عن ملاحظاتك فلا تعليق فهي فعلا موجودة وملاحظة … و احييك على شجاعتك في ذكرها

    كما اتمنى ان تصل كلماتك لكل من هؤلاء هداهم الله

    شكرا لك اخي

  2. نعم اخي

    واكثر ما نلاحظه هذه الايام

    هو حب الزعامة وخصوصا في هذه المواقف

    فمن يعرف الكلام ومن لا يعرف فيه او في امور الدين

    يتمسك بالسماعة وياخذ بالقاء المواعظ

    وكان احدهم قد وكله

    واغلبهم هم ليسوا اهلا لذلك

    نسال الله الهداية لهم

    عظم الله اجركم

  3. هذا صاعق …ومضك أيضا اًفعلاً حدث كل هذا في بيت العزاء؟؟ اين الذوق أو" الايتيكيت" ؟ ..

    رحم الله جدتك وأدخلها فسيح جناته

  4. هو موجود بالفعل وبكل أسف ..

    اشكركم جميعا لمروركم

ما رأيك بما قلتُه؟ أسعدني برأيك !!

%d مدونون معجبون بهذه: