إلى كل متخلّف لا يشاهد الدعارة “الترفيهية” الّتي نشاهدها جميعًا !!

ما يلي ليست دروسًا في الأخلاق، إنما هي نقرات على دماغك لكي يفتح أبوابه لفكرة جديدة.

إذا كنت تعتقد أن الفنّ، يشمل الفن السينمائي، هو دون معنى، مجرّد تعبير عن الذات، مجرّد أداة للربح المادي، ليست له أي تأثيرات على عقلك وفكرك ومعتقداتك، فلا تكمل القراءة.

أما إذا كنت تعترف بكارثية عرض مشهد في مسلسل يُظهر قيام شاب بممارسة الجنس مع أخته بجانب قبر ابنها الذي هو نتيجة الزنا بينهما ولا يتم تقديم هذا الفعل المقزز بصورة مقززة بل بصورة رومانسية حالمة، فأكمل القراءة !

كمقدمة ، لا جدال في أن كل فرد في واقعنا الحاضر هو إنسان حُرّ، وهو الذي يحدد السّقف الذي يسمح لنفسه أن يصله في مخالفته للقيم الدينية أو الأعراف والأخلاقيات الاجتماعية. وكما قال Nucky Thompson  وهو أحد أكثر الشخصيات التلفزيونية فسادًا ، في  Boardwalk Empire ، قال: “كل واحد فينا عليه أن يقرر لنفسه كميّة الخطيئة التي يمكنه أن يتعايش معها”.
“We all have to decide for ourselves how much sin we can live with”.

وعلى ذكر الخطيئة، هناك مسلسل، كثير منكم يعرفه، صار منتشرًا لدرجة أنه ليس بالإمكان التغاضي عنه. سأبدأ بذكر الكوارث التي تحدث في المسلسل (الّذي لن أذكر اسمه لأن كل هدفي هو التحذير من أهمية الترويج للمسلسل وأشكاله).

هذا المسلسل هو موضوع خراريفي التالية.

  • عزيزي الfan. حين تكتب عن المسلسل، فأنت تروّج لأسوأ أنواع الدعارة. قُل لي: ما الفرق بين شخص يصرّح أنه يشاهد المسلسل المقصود (وأمثاله) ويناقش أحداثه وأبطاله ومفاجآته على فيسبوك، وبين شخص يصرّح أنه يشاهد فلم دعارة ويناقش أحداثه وأبطاله على فيسبوك؟ كلاهما يساهمان بصورة غير مباشرة في نشر وترويج هذا المسلسل أو ذاك الفلم! (وآه. بعض مشاهد المسلسل المقصود هي دعارة بكل ما تحمل الكلمة من معنى).
  • ليس فقط أن المسلسل فيه مشاهد جنسية صارخة جدًا، بل هي أيضًا مشاهد ميسوجينية فيها سادية وإهانة واحتقار للمرأة (سيرسي و جيمي، رامزي و سانسا)، والمشكلة أنك لا تلاحظ ذلك أصلًا فتنغرس فكرة أن المرأة كائن دونّي في عقلك دون أن تنتبه! تعالوا نرجع للمشهد الذي ذكرته في المقدمة. في البداية يقوم جيمي باغتصاب أخته سيرسي. لاحقًا، يكون جيمي هو الشخص الذي تدفعنا أحداث المسلسل للتعاطف معه، بينما تدفعنا للسخط على سيرسي لأنها إحدى الشخصيات الشريرة. هذا معناه أنك تتعاطف مع المغتصب بدل الضحية. فوق ذلك، تتطور العلاقة بينهما وتتكرر اللقاءات الجنسية لكن هذه المرة تكون برضا كامل من سيرسي. هذا سيجعلك تقتنع أن “لا” ليس معناها “لا” بالضرورة.. أي أن ضحية الاغتصاب إن قالت “لا” فهي لا تقصد ذلك حقًا.. بل قد تكون في الحقيقة أرادت أن يتم اغتصابها. هل تدركون خطورة هذا الطرح؟
  • العنف الشديد بل الدموية والسادية في الفلم لها آثار نفسية عليك أنت ربما لا تراها. مثلًا هناك دراسة وجدت أن مشاهدة المشاهد المفرطة بالعنف باستمرار يزيد من احتمالات أن يصبح الإنسان عنيفًا بل أن يكون معرضًا أكثر لارتكاب ممارسات لا أخلاقية أخرى مثل السرقة والكذب والاحتيال! (1).
Image result for sadism in game of thrones ramsey
  • علميًا، معلوم أنه إذا عكفنا كل الوقت على مشاهدة مشاهد زنا محارم مثلا (شخص يقيم علاقة جنسية مع أخته ويُنجِب منها أبناء، وهي واحدة من أهم الثيمات في المسلسل)، ونتعاطف مع الشخصيات المنخرطة فيها، رويدًا رويدًا سينزرع في لا-وعينا أن الأمر عادي لا مشكلة فيه، ما دام “باسم الحُب”، و “برضا الطرفين” . وهكذا يتم غسل دماغنا وإعادة برمجة منظومتنا القيمية والأخلاقية دون أن نشعر ! نفس الأمر ينطبق على العلاقات الشاذة والّتي يطبعها المسلسل أيضًا ويجعلك تتعاطف مع أصحابها (مثلًا: علاقة الشابين رينلي و لوراس).
  • هناك لا نهاية من الأبحاث التي تشير إلى وجود تأثير مدمّر للمشاهد الجنسية الإباحية على دماغ الإنسان، على نفسيته، سلوكياته، نظرته للعالم، قدرته على التغلب على المشاكل، قدرته على دخول علاقات عاطفية، قدرته على ممارسة جنسية سليمة، إلخ (2).
  • كثير من تفاصيل الفلم تتضمن جرائم بشعة لكن لا ينال مرتكبوها العقاب. قتل وحشي، اغتصاب، تعذيب، انتهاك حرمات، وغيرها. والمشكلة أن قصد كاتب الفلم غير واضح أبدًا في الدروس أو العبر التي يريد للمشاهد أن يستخلصها. وبالتالي فهناك قسم لا بأس به من المشاهدين ستكون العبرة بالنسبة لهم هي: افعل ما شئت ومارس من أنواع الجرائم الأخلاقية ما شئت، ستعيش سعيدًا وستفلت من العقاب! صحيح أن بعض الشرّ في المسلسل تتم معاقبة فاعليه، لكن الأحداث الرئيسية تتضمن جرائم لا يعاقَب فاعلوها أبدًا !  هل تظن أن هذا ليس له أي تأثير على قناعاتك ؟
  •  قد يقول قائل: لكن المسلسل يعرض حالات، وليس بالضرورة يتبنّاها أو يقدمها بصورة إيجابية. ردّي هو: أولًا، هو لا يقدمها بصورة سلبية أيضًا. وفوق ذلك: المشاهدون يتأثرون بما يشاهدونه بصورة متفاوتة. ليس كل الناس قادرون على الإدراك أن هذا المسلسل يختلف عن الواقع. فإذا كنتَ شخصًا بالغًا عاقلًا واعيًا، قادرًا على التمييز بين الواقع وبين العمل الفني الخيالي، قد لا يؤثر عليك المسلسل. لكن إذا كنت تعرف أنك قد تتأثر دون وعي بمسلسلات من هذا النوع، فابتعد عنها.
  • المشكلة أنك على الأرجح إن كنت “قد تتأثر دون وعي” ، فأنت لن تدرك أصلًا أنك “تتأثر بدون وعي”. وهنا تكمن المشكلة. جزء كبير من الناس لا يدركون أنهم يتأثرون بما يشاهدونه، وهكذا تتغير أفكارهم ويصبحون متقبلين للسادية وزنا المحارم دون أن يدرون!
  • وهنا ، ومن باب المقارنة، انتبهوا أن كثيرًا من الأعمال السينمائية التي تعالج قضايا جادة، تتحلى بقدر من المسؤولية. فمثلًا: تكون نهاية والتر وايت في Breaking Bad نهاية مأساوية ، وإلا، لو كانت نهاية سعيدة، قد يستنتج بعض المشاهدين أن بإمكان الإنسان أن يبني إمبراطورية لتجارة المخدرات ويكسب ملايين الدولارات ثم ينجو من العقاب. كذلك، مشاهد الجنس الإجرامية (الاغتصاب مثلًا) في المسلسل ليست مثل ما رأيناه في Schindler’s List أو في    Requiem for a Dream حيث يتم تقديم العلاقات الجنسية إما كجزء من واقع حقيقي أو أحداث تاريخية حقيقية. أما في المسلسل إياه، فهي مشاهد تخلو من أي دروس أخلاقية، لا تنتقد بل بالعكس تطبّع الممارسة وتزيّنها ولا تُعاقِب فاعليها !
  • معظم المشاهد الجنسية الصارخة في المسلسل هي مشاهد زائدة، ما كان حذفها أو التخفيف من وضوحها سيؤثر أبدًا على متعة مشاهدة المسلسل. فلماذا اختار منتجو المسلسل أن يتضمن مشاهد جنسية فاضحة؟ هل لأن وجود مشاهد جنسية يشدّ شريحة واسعة من المشاهدين ويرفع تقييم المسلسل؟ هل صدفةً أن NewYork TIMES نشرت في العام الماضي خبرًا أن إدارة أكبر موقع لأفلام الدعارة على الانترنت لاحظت أن زيارات الموقع انخفضت بصورة حادّة وغير مسبوقة في نفس الليلة التي فيها تم بثّ الحلقة الأولى من الموسم السابع من هذا المسلسل؟ هل يمكن أن يكون سبب ذلك هو أن قطاعًا من مشاهدي المسلسل يشاهدونه لما فيه من مشاهد جنسية من النوع الذي لا يتوفر في المواد الإباحية التجارية المتوفرة على الانترنت؟
  • وأخيرًا، في هذا الباب: ألا توافقني أن من يشاهد حلقات هذا المسلسل سيصبح سهلًا عليه جدًا دخول مواقع الدعارة والإباحية على الانترنت ومشاهدة تسليع المرأة وبيعها وشرائها بأقبح صورة ممكنة !؟ ألا توافقني أن هذا المسلسل يكسر كل الحواجز الأخلاقية والدينية والثقافية التي تمنع الإنسان من زيارة مواقع الدعارة والإدمان عليها ، وهو ما يسمّى في لغة الإعلام : mainstreaming of pornography ، أي “تحويل المواد الإباحية لمواد شائعة مقبولة يتناولها الجميع” ؟
  • بات يُلاحظ أن كثيرًا من الناس وبالذات الشباب، صاروا مقتنعين أن مشاهدة المسلسل المقصود هي دليل التحضّر والتنوّر. فيشاهد أحدهم المسلسل ليس لأنه أحب قصّته أو أي جانب فنّي فيه، بل لأن كل مَن حوله يشاهدونه ويناقشونه (pop culture).
  • إن كانت الدعارة وزنا المحارم أصبحت ثيمة متكررة في الإعلام والإعلام الجديد، فكل ذلك لا يعني أن ممارسة تلك الأمور تجعلها مقبولة دينيًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا. الممارسات اللا-أخلاقية ليست جديدة. هي موجودة منذ وُجِد الإنس، لكن بخصوص مجتمعنا العربي والإسلامي المحافظ، فما يحدث دخيلٌ علينا وغريب كل الغرابة عنّا .
  • ولذلك غريبٌ جدًا أن تجد من بيننا من يكتبون على فيسبوك بكل جرأة بل وفخر أنهم يتابعون المسلسل الفلاني الذي جزء كبير من مشاهده هي مشاهد جنسية وعلاقات شاذة بل ومشاهد زنا محارم . نضع صور أبطال المسلسل كصور بروفايل، وننشر مقاطع من المسلسل، وعادي لا نستحي أن نصرّح أننا نشاهده. وهنا لا أتكلّم عن الأشخاص المتحررين المؤمنين بالانفتاح والحرية المطلقة بعيدًا عن أي ضوابط (فهؤلاء قد لا ألومهم). إنما أتكلم عنّا نحن الذين نعتبر أنفسنا محافظين ومتديّنين.

في مدوّنتي السينمائية “الراصد السينمائي” (3)، منذ زمنٍ لم أكتب عن الأفلام التي أشاهدها لأنه للأسف معظم الأفلام والمسلسلات اليوم تحتوي مشاهد جنسية صريحة لأن ثقافة الجنس والجسد أصبحت سلعة مطلوبة ووسيلة لجذب الانتباه. ومع أن كثيرًا منها فيها كثير مما يستحق النقاش والتفكير، إلا إن وجود لقطات جنسية فيها يمنعني من الكتابة عنها لكي لا أساهم في ترويجها.

نشاهد المسلسل ونتظاهر أننا نتخطى اللقطات الجنسية؟ طيب ماشي. لكن لماذا يحب أن نثبت للعالم أننا أيضًا نشاهد المسلسل؟ هو يعني من لا يشاهد المسلسل تكون ثقافته ناقصة ودرجة تخلّفه عالية؟

هذا هو التطبيع الفكري والثقافي: تطبيع الشذوذ الجنسي باسم المثليّة، تطبيع زنا المحارم باسم “الانجذاب الجنسي الوراثي Genetic Sexual Attraction” كما أسمته Barbara Gonyo وهي امرأة وقعت في حبّ ابنها وأقامت معه علاقة جنسية!!! وغدًا: تطبيع اغتصاب الأطفال بل وتطبيع الجنس مع الحيوانات بادعاء أن كل إنسان حرّ بطريقة الاستمتاع الجنسي. أو لحظة… لماذا نقول “غدًا” !؟ في الواقع هناك فعلًا أناس يدعون صراحة لحريّة اغتصاب الأطفال والحيوانات ، واذا لم تصدقوني طالعوا الروابط في نهاية المنشور!! (4)

“أحب ابني وأريد أن ألد له ابنًا !

ولذلك، عزيزي القارئ أو عزيزتي القارئة: مساهمتك في الترويج للمسلسل هذا أو ذاك مما يتضمن مثل هذه المشاهد هو مساهمة في نشر القيم الفاسدة بل والمنافية لأي فطرة بشريّة سليمة. إن كان لا بد أن تُشاهد، فافعل، لكن على الأقل لا تساهم في تطبيع السلوكيات المنحرفة التي تنافي دينك (إن كنت مسلمًا أو مسيحيًا أو درزيًا أو يهوديًا) وتنافي ثقافتك العربية والإسلامية وتنافي قيم المجتمع الذي تعيش فيه.

آخر جملة: يحق للإنسان ممارسة حياته كيفما شاء، هو حرّ. لكن أيضًا يحق لنا أن نقول رأينا في أمور نراها خاطئة، وهدفنا ليس الإساءة لأي شخص، وأعتذر سلفًا إن استاء أحد من كلامي. الهدف هو التذكير ليس أكثر. وكان الله بالسرّ عليم. وأقتبس هنا كلامًا قاله الكاتب الأمريكي Will Durant وقد ظهر كلامه هذا في بداية الفلم الملحمي الرائع Apocalypto (والذي أنصح بشدّة بمشاهدته):
“لن يتم احتلال حضارة عظيمة من الخارج إلا بعد أن تدمّر نفسها من الداخل”.
A great civilization is not conquered from without until it has destroyed itself from within.

وحين يصبح زنا المحارم مجرد حبكة سينمائية نستمتع بمشاهدتها، فهذه هي بداية تدمير أنفسنا من الداخل!

المراجع:

  • دراسة عن أن الانكشاف على الأفلام العنيفة تزيد من احتمالات أن يصبح الإنسان عنيفًا بل أن يكون معرضًا أكثر للسرقة والكذب والاحتيال!

https://www.sciencedaily.com/releases/2015/12/151203140232.htm

(2) دراسة عن الأخطار النفسية المدمّرة للإدمان على المشاهد الجنسية

https://www.psychologytoday.com/us/blog/hero/201603/is-porn-good-us-or-bad-us

(3)  الراصد السينمائي:

(4)  هناك دول غربية تسمح قوانينها بالجنس مع الحيوانات! بل إن مالكوم برينار Malcolm Brenner هو كاتب أمريكي اشتهر بدفاعه عن الحق في ممارسة الجنس مع الحيوانات وكتب كتابًا عن علاقت جنسية جمعته بدولفينة اسمها دولّي !!!

https://goo.gl/RrPxrS

(5)  دعوات للسماح باغتصاب الأطفال بادعاء أن الانجذاب لهم “طبيعي”!

https://goo.gl/vaxykb

(6)  مقالة (بالانجليزية) ترصد مظاهر وأحداث جديدة وصادمة من تطبيع وشرعنة زنا المحارم في العصر الحاضر:

(7) فيديو شرحت فيه مخاطر القبول بالشذوذ الجنسي كسلوك طبيعي

https://goo.gl/1Y1o52

عن الراصد (معاذ خطيب)

الراصد - معاذ خطيب، مدوّن وناشط سياسي واجتماعي وأكتب في النقد الاعلامي والسينمائي. أعمل في الترجمة والتدقيق اللغوي وادارة العلاقات العامة. مسلم فخور بإسلامه، واتشرف دائما بإظهار محاسن الاسلام وبتصحيح مفاهيم مغلوطة عنه. إن اردت معرفة تفاصيل اخرى مهمة جدا، مثل لماذا يكرهني محبّو اللون الأحمر ، افتح ملفّي الفيسبوكي في الرابط الّي تحت هذا السطر. مدوّناتي الاخرى هنا: http://Al-Rasid.com

شاهد أيضاً

حين كتبتُ عن الحب، أدركتُ أنني كنت أكتب عن الكُره !

بعض التعليقات على منشورتي جعلتني أدرك أننا نعيش تفاصيل مأساة ثقافية فظيعة. التعليقات أبدت استغرابها من أن معاذ خطيب يكتب عن الحب. لم أدرك أنني معظم الفترة السابقة كنت أكتب عن الكُره!

ما رأيك بما قلتُه؟ أسعدني برأيك !!