بسم الله الرحمن الرحيم هناك فكرة سائدة لدى البعض، مفادها أن مهنة المعلم باتت ممتهنة ومهينة. وعندنا في فلسطين، خاصة الاراضي المحتلة عام 48 ، حيث تكاد فرصة تخطي حواجز المهن التقليدية تكون مساوية لفرصة تخطي جدار الفصل العنصري قفزاً، اصبح هذا الاعتقاد سائدا لدرجة أن هناك نكتة رائجة عن سيدة عجوز سألت شخصا عن عمله، وعندما اخبرها أنه معلم مدرسة، قالت له "يلا يا ستي .. الشغل مش عيب". مذكرات معلم جديد
ملاحظة على الهامش: اصحاب المواقع يطيرون فرحا حين يرو أن القراء طرحوا ردودا على مقالاتهم، وقاموا بنشرها من خلال فيسبوك وتويتر واخواتهن!!
يوم الأربعاء الماضي الذي وافق12.09.2007 كان اليوم الأول لي في سلك التعليم. كما يعلم بعضكم، فقد درست في جامعة حيفا لنيل اللقب الأول في اللغة والادب الانجليزي والعربي، بمسار يمنحني لقبي BA في هاذين الموضوعين عند الإنهاء. وقد انهيت كل واجبات اللغة الانجليزية، وسمعت أنهم بحاجة لمدرس لغة انجليزية في إحدى القرى القريبة، وهرعت الى هناك بوثائقي وأدلة انهائي للواجبات، حيث تكللت مساعيّ بالنجاح بحمد الله، وبدأت التعليم يوم الأربعاء.
الحقيقة ان المسألة ليست سهلة كما توقعت، بالرغم من أنني قد جهزت نفسي جيدا للدرس الأول، ان كان ذلك بالمواد التدريسية التي خططت ان امررها للطلاب، أو كان ذلك بمظهري العام وأناقتي "المطلوبة والمحبذة" ، أو بتمرني على إظهار "العين الحمرا" للطلاب، وذلك من أجل "كسر شوكتهم" وقذف الرعب في قلوبهم وتمزيقهم شر ممزق. وقد أشبعني بعض المعلمين القدامى بهذا النوع من النصائح، حتى بت مقتنعا أنني مقبل على حرب ضروس تنتهي بمنتصر واحد فقط، يجب ان يكون هو أنا، ولذلك كدت أن أسرج إحدى أفراسنا وأشحذ السيف الذي قضى دهره معلقا فوق صورة جدي رحمه الله، استعدادا لساعة الحسم.
| اعلانات لدعم الموقع |
الجولة الأولى من المعركة أول صف دخلته كان الحادي عشر ج، ويتكون من 12 طالبا كلهم ذكور، زالت دهشتي لذلك حين اخبرني هؤلاء الطلاب أن الصف ضم في بداية السنة طالبتين لكنهما طلبتا اللجوء السياسي في صف آخر بعد ان ذقن الويلات من هؤلاء الطلاب الاثني عشر. معظم الطلاب هم من إحدى القرى البدوية المجاورة، يظهر ذلك من سحنتهم ولهجتهم. عرفت بنفسي كمعلم جديد للغة الإنجليزية، وطلبت التعرف إليهم عن طريق ورقة عمل مررتها لهم فيها نموذج لتعبئة التفاصيل، بالشكل التالي (اضغط عليه للتكبير)
طلبت من أحد الطلاب أن يقرأ البند الأول (Name)، فغرق الباقون بالضحك، ولم أعرف سبب ذلك إلا بعد أن سمعت الطالب يقرأ بصوتٍ عالٍ قائلا: "نامي".
قد تستغربون ان ابن صف حادي عشر (وهو الصف قبل الأخير في المرحلة الثانوية، أي المرحلة التي تسبق التعليم العالي الجامعي، ويكون فيه الطلاب ابناء 16-17 سنة) لكني اراهن انكم ستستغربون أكثر حين تعلمون أنها لم تكن هذه هي المرحلة التي فيها صدمت، فقد صدمت لاحقا حين سألت عن معنى هذه الكلمة ولم يعرف ذلك أحد، وصعقت زيادة حين اكتشفت أنه حتى كلمات مثل Father و Mother هي كلمات مبهمة بالنسبة إلى الطلاب، وأن الكلمة الوحيدة التي يعرفها جميعهم وقد طلبت منهم ان يكتبوا ما يعرفون كتابته، هي I LAV YO، بل إنني بكل أسى أقول إنهم لم يعرفوا حتى كتابة اسمائهم، ولا حتى أحرف الابجدية الانجليزية، ولولا حرصي على خصوصية الطلاب لكنت عرضت عليكم أوراقهم وما تحتوي من أهوال، وهنا رفعت كلتا يدي ممسكا بالراية البيضاء معلنا الهزيمة في أول معركة أخوضها.
الجولة الثانية في نفس اليوم كانت مع صف آخر هو الشعبة د من الصف العاشر. لم يكن المستوى التعليمي قريب جدا من صف الحادي عشر الذي تشرفت بمعرفته في أول لقاء، لكنه أيضا لم يكن أحسن حالا بكثير. في هذا الصف مررت البرنامج الذي كان من المخطط أن أمرره في الحادي عشر. هذا البرنامج تخلل وضع دستور للصف، طلبت من الطلاب أن يشاركوني في صياغته، وقد ضم بنودا حول الحق بالكلام وواجب الاستماع، ومضغ العلكة واستعمال الهواتف النقالة وحل الواجبات البيتية. وأعتقد ان لهذا صدى ايجابيا ومردودا نافعا، حيث يشعر الطالب الذي وقع على الدستور الذي شارك بصياغته بواجب الالتزام ببنود هذا الدستور الذي وضعه هو والسير عليها وتطبيقها. كما اشتمل البرنامج لهذه الحصة على ورقة العمل Who Am I ، والتي أظهر بعض الطلاب حماسا في حلها والاجابة عن اسئلتها، خاصة البند: Email Address !!
وقد احتوى العاشر د طلابا أكثر مما احتواه الحادي عشر ج، نصفهم من البنين والنصف الآخر من البنات. وهي المرة الأولى في حياتي التي فيها أصادف مجموعة فيها يكون المتفوقون -أو قل البارزون- هم من البنين وليس البنات. طالبان اثنان ساهما في تقدم الدرس، وأما الباقون فقد اخذوا على عاتقهم إنجاز مهمة الدواوين، وطبعا جل هؤلاء من البنات اللائي إن سألت احداهن أن تقرأ المكتوب حملقت في وجهك لهول الصدمة ثم كسرت عينيها بشكل مأساوي ضارع، لن تلبث أن ترسلهما الى عينيك وترمقك بنظرة لوامة، راجية أن لا تكرر الطلب مرة أخرى.
الحسنة الوحيدة التي اكتشتفتها في هذا اليوم الأول لي في مهنة التعليم هو أن الوقت يمر بسرعة، أمر مناقض تماما لما كنا نعانيه في حصص الرياضيات. أما ما سوى ذلك، فقد اكتشفت الهوة السحيقة بيننا وبين التطور والتقدم، ولولا أن "الشغل مش عيب" وأن تجاهل الوضع المزري لطلابنا، وعدم السعي لإصلاحه هو العيب بعينه، ولولا أنه من المقرر أن التقي الشعبة ب من الصف العاشر يوم السبت، وقد قيل لي أنهم أفضل من سابقيهم ونسأل الله ان يكونو كذلك، لكنت هجرت بغير رجعة.
| اعلانات لدعم الموقع |
فحتى يوم السبت .. ألقاكم على خير ملاحظة هامة جدا : المعلم في الصورة أعلاه ليس أنا، وأرجو ان لا اصبح مثله
| اسعد جدا بسماع آرائكم، سواء كانت ايجابية أو سلبية. وان اعجبتك المقالة أرجو ان تساهم في نشرها لتعميم الفائدة، من خلال ادوات النشر أدناه (فيسبوك، تويتر، غوغل+ ). | ||||
|
|
||||
|
|
أنا متأكد ان هذه المنشورات ستعجبك أيضا !!




.jpg)














