أن تتجول في معقل قناة الجزيرة

الداخل إلى قناة الجزيرة هو كالداخل إلى المنطقة 51. مبانيها تقع في قرية إعلامية تضم أيضا مبنصورة مبنى قناة الجزيرةى تلفزيون قطر الرسمي ومبنى الإذاعة الرسمية، وعليك أولا أن تمر بحاجز تفتيش يسأل عن تصاريح الدخول التي يجب أن تظهر فيها تفاصيلك الكاملة، بالعربية والإنجليزية، كما هي مسجلة في جواز السفر.

لم يسمحوا لنا بالمرور، مع أن سائقنا موظف رسمي في قناة الجزيرة، يدخل ويخرج كل يوم مئة مرة، ورغم أن المصور الذي رافقنا يعمل في قناة الجزيرة وتلفزيون قطر، وجهه يكاد يتآكل من فرط ما يحدق فيه الحراس عند كل دخول له أو خروج.. ومع ذلك لم يسمح له بالدخول لأن تصريحه لم يصل بعد. عدنا أدراجنا إلى مبنى شؤون الموظفين، وهناك انتظرنا قرابة الساعتين حتى وصل التصريح بجهود كبيرة. بل إن المصور قال لنا أنه حتى موظفو قناة الجزيرة الرياضية التي تحاذي مبانيها مباني الجزيرة الرئيسية، ليس بمقدورهم دخول مباني الجزيرة الإخبارية إلا بتصريح مناسب!

بعد تمرير التصاريح ستواجهك دورية شرطة قد تسألك أيضا عن الوثائق اللازمة للدخول. وإن تجاوزتها ستصل إلى المنطقة الخاصة بقناة الجزيرة، والتي تحول بينك وبينها بوابة ضخمة يقف أمامها رجل أمن مسلح من أصل قطري قح .. مشرئب العنق منتفخ الصدر عريض المنكبين ذا لحية طويلة شابها الشيب وقبعة عسكرية مائلة، يقوم بطلب الجوازات او البطاقات التعريفية ولا يتيح لك الدخول إن لم تحمل أيا منها.. حتى لو أقسمت له بأغلظ الأيمان أنك أنت أنت. قلنا إنه قطري قح لأن ذلك مما تندر مشاهدته في قطر التي تحسبها للوهلة الأولى والثانية والعاشرة، دولة في شرق آسيا.

لكنك ستدخل في النهاية، إن كنت ممن حالفهم الحظ. وأول ما ستراه داخل المبنى الرئيسي هو وثيقة شرف ضخمة، تقول الجزيرة أنها تطبق معظم ما جاء فيها وتلتزم بها.

ميثاق شرف قناة الجزيرة

 

ثم سيأخذك الحارس أو من جئت لملاقاته عبر الممرات الخشبية المضاءة بصورة مميزة تجعلك تظن أنك وافدٌ إلى بيت مهندس ديكور لا إلى قناة تلفزيونية.

ثم تصل غرفة الأخبار..

jazeera_visit (3)

 

سترى كل الناس الذين لا تراهم أمام الكواليس. محرروا الأخبار، راصدوها، موظفوا التحكم المركزي، مسؤولوا الإضاءة، التصوير، وطبعا غرفة الماكياج التي تقع بملاصقة ستوديو البث.

عاملون في قناة الجزيرة

 

يدهشك عدد العاملين.. كلٌ في مكانه يقوم بواجبه.. تبدو غرفة الاخبار (وهي طبعا قاعة رحبة) مثل خلية نحل تعمل بتكامل وتعاون وترابط.. لكن بصمت وهدوء. أول ما يمكنك أن تفعله حين دخولك القاعة هو أن تتسمر في مكانك وتنظر من حولك محاولا الإحاطة بكل التفاصيل التي يمكن لعقلك أن يستوعبها. الاشخاص القاعدون، والاشخاص الواقفون، واولئك الذين يؤدون مهامهم بين القعود والوقوف، الأجهزة الكثيرة التي تعرف وظيفة بعضها وتجهلها للبعض الآخر. لكنك تشعر بالزهو لأن لديك الآن مادة تفاخر بها وتجعل الكثيرين يحسدوك أو يغبطوك.. خاصة حين ترى شعار الجزيرة المتحرك: “الرأي والرأي الآخر”.

jazeera_visit (20)

 

تلتقي بمشاهير كثر… معظمهم تتذكر اسماءهم وتحييهم بها وهو ما يدخل السرور إلى قلوبهم بدون شك.. وبأدب جم تطلب أن تتصور معهم.. طلبٌ يقبلوه بكل تواضع وبابتسامة عريضة أنت نفسك لا تقدر عليها. أما من لا تتذكر اسماءهم فيوقعوك في دائرة الحرج.. يتوقعون طبعا أنك تعرف اسماءهم وتجتهد أنت في أن تخرج الاسم الذي “على طرف لسانك”.. لكنه لا يخرج.. وقد يحدث أن يبادر هو بتعريف نفسه قائلا ان اسمه كذا وكذا لترد عليه بأنك “تعرف طبعاً”.. وتسجل في ميزانك كذبة.

لكنك طبعا لن تنسى اسم بيبه ولد مهادي. الرجل الخفي بشكله لكن الشهير بصوته الذي يقرأ بنبرته وهدوئه والرمزية المميزة والبلاغة العالية التي يزين بها تقاريره.. مثل تقرير إيطاليا.. حقول المهجرين

صورة مع بيبه ولد مهادي  معد تقارير الجزيرة

 

أثناء تجوالك في مرافق القناة، ستدخل إلى المبنى القديم الذي منه انطلقت القناة في العام 1996 وستلاحظ أنه شبه مهجور إلا من نشاط بطيء الإيقاع لمقبل ومُدبر… وأكوام من الأشرطة التسجيلية التي تنتظر أن يتم رصها على رفوف الأرشيف.

وعند خروجك من الطرف الآخر  ستجد العاملين في الزاوية الرياضية من قناة الجزيرة الإخبارية، ومنهم الوجه الأكثر ظهورا: حيدر عبد الحق، المراسل والمذيع الرياضي المعروف.

صورة مع حيدر عبد الحق مذيع اخبار الرياضة في الجزيرة

وحين عودتك إلى غرفة الاخبار، ستجد حائطا مرصعا بشهداء الكلمة.. صحافيو الجزيرة الذين سقطوا أثناء نقل معاناة شعوب تم سحقها تحت نير الاحتلال الإرهابي البشع… منهم طارق أيوب، أطوار بهجت، وصحافي آخر اعتذر لأني نسيت اسمه.

شهيد الرسالة طارق ايوب

ولو تسللت خلف الكواليس لرأيت غرف التحكم.. التي منها يتم التحكم بكل ما تراه على شاشة الجزيرة، يعمل موظفوها بتناغم وتعاون منقطعي النظير، لأن غير ذلك يعني أخطاء يراها ملايين البشر حول العالم.

صورة غرفة التحكم في فناة الجزيرة jazeera_visit (25)

 

أما من أمام الكواليس، فستلاحظ أن المذيعة الشهيرة التي كنت تراها عبر الاقمار الصناعية العابرة للقارات غدت ماثلة أمامك بشحمها ولحمها تبعد عنك أمتارا قليلة.. تسمعها وهي تقرأ الاخبار ببث حي ومباشر ليس من خلال شاشة صماء كما هي العادة.. بل تقرأها أمامك وتسمع كلامها من فمها مباشرة.. وتتمنى لو أنك تملك الجرأة الكافية –أو  الجنون بتعبير أدق- للقفز أمام الكاميرات الضخمة وتفعل أي شيء.. أي شيء لكي تصبح في طرفة عين نجما عالميا ستظهر على ملايين المدونات وصفحات الفيسبوك وقنوات اليوتيوب لأجيال طويلة قادمة.. ولن يضايقك أن العنوان في هذه كلها سيكون “معتوه يقتحم غرفة بث قناة الجزيرة”.

مذيعة قناة الجزيرة من الداخل  صورة غرفة التحكم في فناة الجزيرة

 

لكنك طبعا لن تفعل لأنك جئت في مهمة خاصة. وتلاحظ ازدحام سقف ستوديو التصوير بآلات كثيرة ومتشابكة، هي آلات الإضاءة… وتفهم أن صناعة الأخبار ليست مجرد كاميرا ومذيع يقرأ نصوصا مكتوبة.. وخاصة في قناة الجزيرة.

من داخل ستوديو قناة الجزيرة

 

وأثناء خروجك قد يصادف أن تلتقي بأحد المذيعين الذي أنهى للتو تقديم نشرة الاخبار، ليكون هذه المرة اللبناني حسن جمول، الذي تتفاجأ أنه ليس هو نفسه المذيع جامد الملامح بخيل الابتسامة الذي تراه على الشاشة، لأنه يغمرك بود وبابتسامة عريضة ويكلمك بتواضع ولطف مفرطين، لن تتردد بعدها في أن تطلب منه صورة

صورة مع مذيع الجزيرة حسن جمول

 

ولدى توديعك لقناة الجزيرة تصر أن تلتقط صورة أخيرة تثبت لكل من سيراها أنك كنت هناك فعلا… كنت في معقل القناة التلفزيونية الأضخم والأشهر والأكثر تأثيرا بين قنوات العالم قاطبةً!

jazeera_visit (37) jazeera_visit (33)

 

في الحلقة القادمة: أن تحتفل في اليوم الوطني لقطر… مع البنغاليين!

 

فيديو لمقطع من جولتنا داخل الجزيرة

 

عن الراصد (معاذ خطيب)

الراصد - معاذ خطيب، مدوّن وناشط سياسي واجتماعي وأكتب في النقد الاعلامي والسينمائي. أعمل في الترجمة والتدقيق اللغوي وادارة العلاقات العامة. مسلم فخور بإسلامه، واتشرف دائما بإظهار محاسن الاسلام وبتصحيح مفاهيم مغلوطة عنه. إن اردت معرفة تفاصيل اخرى مهمة جدا، مثل لماذا يكرهني محبّو اللون الأحمر ، افتح ملفّي الفيسبوكي: http://fb.me/mouad.khateb . مدوّناتي الاخرى هنا: http://Al-Rasid.com

شاهد أيضاً

قصة حب

زوجته وعشيقته وهو (2)

لم تمض خمس دقائق بعد أن خرج الرجل من شقته إلا وأحد الجيران الذي أوكل له مهمة مراقبة زوجته يتصل ويخبره أن رجلاً طرق باب بيته وأن زوجته سمحت له بالدخول.

15 تعليق

  1. اخي معاذ لا تعليق .. :)
    فقط نريط الخارطة للوصول الى هناك فكيف لنا ان نصل ؟ :)

  2. ابو سليم دوت كوم

    بدأت اشعر فعلا ان صديقي معتوه
    سلامات صديقي

  3. الصراحة لا تعليق غير اني متت من القهر من الحسرة يعني لازم تغيظني وترفع ضغط الدم عندي ابو كمال؟؟
    بيبيه ولد مهادي، حسن جمول، حيدر عبد الحق، ايمان عياد، كلهم تمنيت ولا ازال ان انظر اليهم من خلف حجاب. وانت متصور معهم:(:(:( الله يهنيك كمان وكمان يا ابو كمال .. ننتظر الصورةالحدث الابرز معاذ صورتك مع الاسد وضاح خنفر.

  4. رائـــــع
    بل مدهش جدًا :)

    هنيئًا لك بهذه الجولة

  5. الجزيرة مهما قالوا عنها هي أعظم انجاز عربي في هذا الزمان الخالي من الانجازات العربية ولا تضاهيها أي قناة أخرى الى الآن.

  6. تقرير رائع مشكورين عليه بارك الله فيكم لكن اين الفيديو

  7. ما شاء الله بارك الله فيك

  8. لمَ لا تعمل مذيعاً في هذه القناه ؟ أومعدّ تقارير مثلا؟؟؟ الست صحفياً ؟ هذه المدونة تظهر براعتك في كتابة التقارير وتصوير الاحداث ولفت الانتباه لقضايا شتى كثيرا ما نتغاضى عنها ولا نقف عندها ولا نعطيها حقها

    هذه قناة ناجحة جدا
    بالنجاح لك

ما رأيك بما قلتُه؟ أسعدني برأيك !!