من قال ان عليك ان تقوم وتسمح للفتاة الواقفة في الحافلة بالجلوس مكانك؟

قصة أخرى حدثت معي في الحافلة (نفسها) . لاحظت في جنوب افريقيا امرا ينكره (أو يجب أن ينكره) كل ذي مروءة وشهامة ونخوة ورجولة.

صورة مليئة بالتناقضات.

اصعد كل يوم لحافلة الطلاب التي تستقل طلاب الجامعة من المجمعات السكنية المختلفة الموزعة في كل انحاء مدينة كيب تاون، إلى الحرم الجامعي باختلاف مبانيه ومرافقه.

في بلادي اعتدت على أن أقوم وأسمح لاي  فتاة او امرأة او شيخ واقف في الحافلة بالجلوس مكاني إن رأيت ان المقاعد امتلأت جميعها. وأهل بلادي من العرب الذين يتحلون بتلك الخصال الطيبة، ومعظمهم يفعلون نفس الفعل (اتمنى ان الوضع لم يتغير منذ سافرت قبل حوالي عام).

allow-girl-to-sit

في جنوب افريقيا تجد الفتيات واقفات والشباب جلوس. بل إن احدهم يكون جالسا، واحدى الفتيات، صديقته او زميلته في الدراسة واقفة معلقة بالسكة الحديدية المخصصة لكي يقبض بها الركاب الواقفون، وهي تترنح ذات اليمين وذات الشمال، بل وتتأرجح بفعل السياقة الانتحارية لسائق الباص، مثل ثوب معلق على حبل غسيل تطير به الريح يمنة ويسرة، وكل هذا والاخ الجالس قد "صفّ " معها ديوانا، دون ان تشتعل حميّته ويفسح لها المجال بالجلوس.

بل إني رأيت نساء كبيرات بالسن واقفات (هن عاملات يعملن في الجامعة)، ولا يخجل الشباب ممن أنعم الله عليهم بكراسي قد تكون أكثر فهمها منهم، ولا يبادرون للقيام واتاحة المجال لهن بالجلوس (انا اكون واقفا أيضا، قبل أن تشتمني وتشتم نفاقي).

والغريب أيضا أننا حين نكون في صف الانتظار في محطة الباص لحين مجيء الحافلة، ونكون بمظهر حضاري ما شاء الله عنا، لكن حين تأتي الحافلة، يبدأون بالركض صوبها بشكل هستيري، مثل اطفال رأوا شخصا يوزع "شعر البنات" مجانا.. في مظهر بعيد كل البعد عن الحضارة والذوق والاتيكيت.. ولا تستغرب إن قلت لك ان الشباب يسابقون الفتيات الى الباب لكي يتمكنوا من الدخول قبلهن وبالتالي الحصول على مقاعد والجلوس بدل الوقوف، فيما تظل الفتيات واقفات لا تجد من الشباب المناضل شعورا نبيلا ولا مبادرة طيبة… والله العرب ما بعملوها !

ولا اقصد هنا الطلاب السود (الأفارقة الاصليين فقط) بل الغريب أن الطلاب البيض أيضا (من اصول اوروبية، ألمان وهولنديين وبريطانيين بالأساس) يفعلون نفس الفعل، مع ان القليل منهم لا زال لديهم بعض الذوق في هذا الباب. أما أنا، فحين اجد نفسي جالسا وفتاة واقفة، فإني اقوم واعرض عليها أن تجلس مكاني.. وفي كل مرة الاحظ الدهشة على وجه الفتاة من هذا العرض الذي لم تعتد عليه!!

لماذا ؟ ما الذي حصل؟

أين قواعد الاتيكيت و "ladies first" (التي يتفاخر كثيرون من شبابنا بانهم يجيدون نطقها لكن لا يطبقوها إلا أن كانت ال lady " تستاهل"؟؟ )
حاولت ان اجد تفسيرا، فاستعصى علي ذلك. لكني أخيرا وجدت شيئا.

في الدول الاوروبية دائما ما ينادون بالمساواة بين الرجل والمرأة. وجنوب افريقيا التي كانت ولا زالت مستعمرة اوروبية، قطعت شوطا كبيرا جدا مقارنة بالدول الافريقية الاخرى حين يتعلق الامر بحقوق الانسان، وما يسمى بالحرية الجنسية، والمساواة بين الرجل والمرأة، وتمكين المرأة، وما الى ذلك، تماما كالدول الاوروبية. فهم يؤمنون انه لا يوجد اي فرق بين الذكر والانثى كما يقولون في المجتمعات المتحضرة. فإذا كان الذكر والانثى متساوين تماما في كل الصفات.. لماذا عليك أن تقوم وتتكرم على الفتاة الواقفة وتمنحها مقعدك وتظل أنت واقفا؟

هذا الموضوع امامك للنقاش.. تفضل وناقش !!

ملاحظتين: ان اردت الاطلاع على مقالاتي الاخرى من جنوب افريقيا، اضغط هنا.
ان اردت ان اعلمك حين انشر مقالات جديدة حول حياتي في جنوب افريقيا، ادخل ايميلك في النموذج ادناه.

عن الراصد (معاذ خطيب)

الراصد - معاذ خطيب، مدوّن وناشط سياسي واجتماعي وأكتب في النقد الاعلامي والسينمائي. أعمل في الترجمة والتدقيق اللغوي وادارة العلاقات العامة. مسلم فخور بإسلامه، واتشرف دائما بإظهار محاسن الاسلام وبتصحيح مفاهيم مغلوطة عنه. إن اردت معرفة تفاصيل اخرى مهمة جدا، مثل لماذا يكرهني محبّو اللون الأحمر ، افتح ملفّي الفيسبوكي: http://fb.me/mouad.khateb . مدوّناتي الاخرى هنا: http://Al-Rasid.com

شاهد أيضاً

ذكرياتي الجامعية عن طلاب اللغة الإنجليزية والبريستيج المرموق

لما كنت في الجامعة، كان يُنظر لطلاّب كليّة اللغة الانجليزية على أنهم أصحاب البريستيج الأعلى من بين طلاب باقي الأقسام. الرياضيات، الإحصاء، التدريس، وعلم الاجتماع كلها كانت أقسام "أي كلام".. اما من يُعرف أنه طالب لغة انجليزية فكان عادة مُحاطاً بهالة من القدسية والتبجيل نظراً لأن الانجليزية كانت تُعتبر الموضوع الأصعب في مدارسنا العربيّة. أو على الأقل هكذا شعرت .

11 تعليق

  1. الله أكبر ولله الحمد، إذاً فنحن نمُيّز بين المرأة والرجل في أمور ونساوي في أمور أخرى، فبمفهومنا أرى أنّ المرأة عزيزة حتى في تميّزها فيها تكون ملكة مُعزّزة مُكرّمة، وعزيزة أيضا وملكة في ما سُوُّيَ بينها وبين الرجل في خصالٍ أخرى… خطر في بالي هذا التحليل فماذا ترى أخي معاذ؟!

    • وهو كذلك فعلا اخي عبد الله.. فانا شخصيا حين اقوم واتيح لها الجلوس، او للرجل او المرأة العجوز، فذلك مرده الاحترام الذي اكنه لهم بدون شك.. لكن هيهات للمتشدقين بالمساواة ان يفهموا ذلك

  2. أو استفزّ مقالك في داخلي هذا التحليل ***

  3. للعلم حين كتبت ما كتبت، لم اكن متأكدا ما هو السبب الذي يجعلني اقوم واتيح لفتاة ان تجلس مكاني. هو الايثار الذي تربينا عليه فعلا. لا ازعم انني متمَّمُ الاخلاق ومكارمها، لكن والدي رباني على الايثار وحب الخير للناس. وإن لم يكن هذا هو فعل المعروف والايثار ، فماذا يكون؟
    لكني طبعا لا اتفق مع من يقول بان الامر نابع ايضا من النظرة الدونية للمرأة… انا متزوج وحين اتيح لزوجتي ان تجلس وانا واقف، هل يكون ذلك لاني اعتبر نفسي حاميها وراعيها؟ لا شك ان للفروق الفيزيولوجية ضلع، وهذه حقيقة راسخة (أرجو ان لا يطلب مني احد اثباتات عليها)، لكن الامر بالاساس هو لاني واحتراما وحبا لزوجتي، افضل ان اكون انا واقفا (وهي الوضعية الاصعب) فيما تكون هي مرتاحة (وهي الوضعية المريحة في الحافلة).. هو الايثار والاحترام، وأبدا ليس النظرة الدونية.. وسؤالي: لو رأيت زوجين (رجل وامرأة) في حافلة، الزوج جالس والمرأة واقفة، الا يبدو لك ذلك فعلا مستهجنا؟ :)
    وللمقارنة، حين كان العرب يرتحلون كانت المرأة تجلس داخل الهودج على ظهر الجمل فيما كان الرجل يمشي ويقود الجمل على قدميه… هل كان ذلك لان الرجل يعتبر المرأة ادنى منه منزلة؟ لا والله وإلا لكان هو صعد للاعلى وهي مشت في الاسفل.. وبغض النظر عن هذا المثال، فهذه هي الحالة فعلا..

  4. عندنا في مولدافيا نفس الامر .. في البداية عندما جئت الى هنا رأيت هذه الظاهرة في الباص (الترمفاي) وفي الروتيرة (الترانزيت) وفقط في حالة مسن /ة طاعن /ة في السن كنت ارى الناس يقومون لها او في حالة امرأة تحمل طفلها الصغير .. وللعجب وجدت ان الناس تقوم لهم ليجلسوا ليس احتراما انما هذا قانون !!!! اما الصبايا … فلا احد يقوم ليجلسهم .. في البداية عندما وصلت كنت اقوم حتى لشخص في الاربعين من عمره وكانوا يستغربون من فعلي .. لكن بعد ذلك اخبرني اصدقائي انه لا يجب علي ذلك بعد ان كنت حتى احيانا اصعد لوسيلة النقل حتى لو وجدت مقعدا لا اقعد حتى لا اقوم مرات عديدة والناس يتعازموا لا داعي وشكرا او يأتي شخص اخر للجلوس !
    الان ابحث عن المقاعد الاخيرة لأجلس فيها حيث لا اضطر للقيام .. الا في حالة ان كانت صبية جميلة هههه … لان كبار السن لا يرجعوا لمؤخرة الروتيرة او الحافلة …

  5. هههههه سامحك الله يا امير :)
    جنوب افريقيا متأثرة في ذلك بالدول الاوروبية ومنها مولدافيا طبعا. الحمد لله اننا عرب لا زلنا متمسكين بهذه القيم السامية :)

  6. ما يتغنى بالمساواة إلا كلُ حاقِدٍ جاهل ! إن بينَ الرجل والمرأة فروقًا واختلافات ، هذه الفروق هي التي " تبرر " عدم المساواة . أنا فتاة ، ومن أشد المناهضات لتلك الجمعيات التي تلوّح بشعاراتٍ رنانة أبرزها " مساواة المرأة بالرجل " ، في الحقيقة أشفق عليهم ! ألا يعلمون أن مساواة النساء بالرجال ظلمٌ لأحدهما ، وما أظن المظلومَ في هذه الحالة سوى المرأة ، أستذكر هنا بضع كلماتِ لـ " مصطفى لطفي المنفلوطي" حيث قال في كتاب " العبرات " : " إنكم تكلفون المرأة ما تعلمونَ أنكم تعجزونَ عنه وتطلبونَ عندها ما لا تعرفونه عندَ أنفسكم فأنتم تخاطرون بها في معركةِ الحياة مخاطرة لا تعلمون أتربحونها من بعدها أم تخسرونها ، وما أحسبكم إلا خاسرين ! "
    أنا مسلمة عربية أفخر بإنتمائي لهذه الأمة التي تحترمني وتقدرني ، وتقف لي في الباص رحمة ورأفة ، ولستُ كتلكَ المسكينات الآتي خضن غمارَ الحياة بلا سند !
    أشكرك أخي ،
    وفقك الله ورعاك !

  7. نعم .. من الغريب أن يجلس الرجل وتقف المرأة ، لان الفروفات الجسدية من حيث التحمل اي تحمل المشقة قائمة بين الجنسين ومُثبتة علمياً.

    يجب تجنب التعميم على اي حال، في بريطانيا واسكتلندا ما زالوا يتيحون للفتاة والمرأة الجلوس حتى وان لم تكن حسناء :)

    أعتقد ان الظاهرة عفوية وغير ” ممنهجة” وأعتقد كذلك ان اصرار الرجل او الشخص عامةً على احتفاظه بمقعد الحافلة لنفسة ينمّ عن مجتمعات تغلغلت فيها الفردية individualism في كل مناحي الحياة.

    تدوينة قيّمة

  8. أخي معاد، أنا من الجزائر، ذات مرة كنت راكبا في حافلة و أمام بابها، و عندما وصلنا إلى موقف انفتح الباب و ركبت امرأة و لم تكن هناك مقاعد شاغرة فقمت لها لكنها أدهشتني بردة فعلها، لقد رفضت أن تجلس مكاني رغم أنني كنت أحلف لها لكي تجلس ثم قالت لي ما أزال دهشتي: “إننا نحن النساء نبحث عن المساواة مع الرجال، إذن فلندفع الثمن” و لم تجلس، لكنها لم تبد لي من النوع المتحرر الذي يبحث عن المساواة، بل قد كانت ضحية…….

ما رأيك بما قلتُه؟ أسعدني برأيك !!