الأطفال الذين يريدون شراء قريتنا

أسكن في إحدى قرى الجليل الفلسطيني المحتل عام48. اليوم وفي طريقي للمسجد لأداء صلاة العصر رأيت منظراً غير مألوفِ إذ كانت قافلة من طلاب الصفوف الأولى تسير في أرجاء قريتنا الوادعة، ومعها مرشدون من المعلمين البالغين والمعلّمات الرّاشدات، الذين بدا واضحاً أنهم ليسوا من العرب. بل إن ملابسهم أشارت إلى أنهم من يهود المستوطنات الذين يُعرف عنهم حقدهم على العرب والمسلمين وكراهيتهم اللا-متناهية لكل من خلق الله من البشر غيرهم.
بادرت إحدى المعلّمات وقد بدت عليها إمارات الحيرة، وسألتها بالعبرية إن كانت تحتاج مساعدة، قاصداً التأكد أنهم كما أظن. وأكدت إجابتها شكوكي.
ثم توجهت إلى أحد المرشدين الرّجال وسألته من أين هم، فذكر لي اسم المستوطنة التي قدموا منها، ثم سألته وماذا تفعلون في قريتنا، هناك بلدان وأماكن أجمل بكثير منها. أتعلمون ماذا قال لي؟ قال لي بالحرف الواحد وبنبرة جادّة خلت كلياً من المزاح أو الدعابة، بكل وقاحة وصلف وعنجهية قال: “جئنا لنرى إن كانت قريتكم جميلة كفاية لكي نشتريها”. ألجمني الذهول ولم أنبس ببنت شفة، وأكملت طريقي للمسجد. في الصلاة لم أقدر على أن لا استرجع ما قاله وأحاول هضمه. ألا يكفي هؤلاء أنهم احتلوا كل أرضنا وشردوا أهلنا، واليوم يجيئون بصغارهم، يتجولون في قرانا وحاراتنا بل وبين بيوتنا ويعرفّوهم على تاريخ الأرض كما لا نفعل نحن أنفسنا، ويعلمّونهم أن هذه أرضهم وأرض أجدادهم من “شعب الله المختار”، ويربوهم على حب أرض هي ليست أرضهم، وينمّون فيهم حبها ويزرعون فيهم الرغبة في امتلاكها ؟؟
وأين نحن؟ ماذا نفعل نحن؟
لماذا لا نأخذ أبناءنا في جولات إلى ما تسمّى “كرميئيل” و “شيبوليت” و “نتسرات عيليت” و “ميعامي” و “هار يونا”، نعلّم أبناءنا أن هذه أرضنا، وأنهم اغتصبوها، وأن ما بنوه من مباني ومنتزهات وناطحات سحاب إنما شيّدوه فوق جثث أجدادنا وآبائنا، وأن عليهم استعادتها يوماً ما؟
ولا لويش، خلينا نظل نوخذ اولادنا على السفاري واللونا جال، والسوبر لاند.. ونفرجيهن قديش اولاد عمّنا جابولنا نهضة وتطوّر و “توخنولوجيا” أخرجتنا من كوننا فلاحين جلفين لا نفقه سوى بشؤون البقر والحمير، وطوّرونا مثل البوكيمونات إلى جماعة متحضرين متطورين متنوّرين منعرف نفطر في “جريج” ونتغدى في “بورجر رانش”، ونسهر في “أروما”.

عن الراصد (معاذ خطيب)

الراصد - معاذ خطيب، مدوّن وناشط سياسي واجتماعي وأكتب في النقد الاعلامي والسينمائي. أعمل في الترجمة والتدقيق اللغوي وادارة العلاقات العامة. مسلم فخور بإسلامه، واتشرف دائما بإظهار محاسن الاسلام وبتصحيح مفاهيم مغلوطة عنه. إن اردت معرفة تفاصيل اخرى مهمة جدا، مثل لماذا يكرهني محبّو اللون الأحمر ، افتح ملفّي الفيسبوكي: http://fb.me/mouad.khateb . مدوّناتي الاخرى هنا: http://Al-Rasid.com

شاهد أيضاً

الخدمة المدنية ما هي مخاطرها ولماذا نحاربها؟ (محاضرة فيديو، محاضرة صوتية، وعرض شرائح)

هذه التدوينة تحتوي مواد متعلقة بالخدمة المدنية / الوطنية الإسرائيلية من إعداد وتقديم الناشط معاذ كمال خطيب (الرّاصد): مُحاضرة فيديو، تسجيل صوتي للمحاضرة (MP3)، وعرض شرائح يمكن استعماله وتنزيله وطباعته (PDF).

3 تعليقات

  1. اصيل والى الامام سبحان الله لديك من الافكار التي تداوي الجروح طيب الله انفاسك وجعل مدادك في ميزان حسناتك

  2. الله يلعنهم كلشي بدهن ياه :(

  3. دخلت بالصدفة لهون , بدأت اقرأ بشغلات جذبتني , وانتبهت انو اخد معي اكثر من ساعة وانا اقرأ ! اسلوبك في الكتابة جدا جذاب ومشوق , لدرجة بس ابلش بقراءة شغلة معينة بطلعش قبل ما اخلصها ….. بتمنى لو من زمان كنت اعرف بوجود هاي المدونة ….
    بارك الله فيك وفعلا كل الاحترام الك !

ما رأيك بما قلتُه؟ أسعدني برأيك !!