مشهد من مشاهد وقوفي في طابور استعارة الكتب في الجامعة بجنوب أفريقيا

لا أدخل كثيرا مكتبة الجامعة، فبالرغم من عشقي لرائحة الكتب، خاصة تلك ذات الصفحات الصفراء التي كانت تثبت بغلافها بنفس الصمغ الذي تصلح به الاحذية –أجلكم الله- إلا أني لا اجد المكتبة مكانا يخاطب روحي الثورية الوثابة، وآخر أمانيّ أن أُوسم بوسم الطالب المجتهد الذي يقضي ستة أخماس وقته دافنا رأسه في الكتاب كمن ألمّت به أزمة عاطفية طارئة.

إن دخلت مكتبة الجامعة يستقبلك في مدخلها الحارس العابس المتهالك على كرسيه كالمسخوط، لا تميّز إن كان حيا أم ميتا إلا إن علا صوت أحد الطلاب في ذاك المكان الذي يمنع فيه الكلام، فيفيق مضطربا كحصان كسول مُنيّ بصفعة على قفاه ويجزر من علا صوته ويحدجه بنظرة تخلع القلب، لا تملك بعدها إلا أن تستذكر كل عبارات الاعتذار ووتسمّعها له واحدة بعد الأخرى أملا في أن يشيح عنك بوجهه الذي تزيده السمرة الأفريقية شبها بوحشيّ في لحظة رميه حمزة بالرمح الذي استقر في قلبه.. ولا تريد أن يحل بك كذلك، ولبئس المصير.

دخلت ذاك اليوم الى الجامعة لاستعارة كتاب. وقفت في الطابور انتظارا أن يحين دوري. بعد برهة لاحظت أن الشخص الذي كان مشغولا مع موظفة المكتبة المسؤولة عن إعارة الكتب لم يكن منهمكا بالاجراءات المألوفة لاستعادة الكتب التي تأخذ دقيقة على الأكثر، بل كان كمن يحاول كسب مزيد من الوقت في الحديث مع تلك الموظفة (الطالبة). كان لا زال يكلمها حين قالت “Next please”.. عبارة هي بمثابة المسيح المخلّص لمن ينتظر في طابور طويل حين يأتي دوره، خاصة إن كان من قبله ومن بعده شخصان لا تعرف بالضبط كم مرة يستحمّان في السنة، لكن الأكيد أن اشياء مثل Axe او Brute بالنسبة لهما هي مثل عبارة “تسشهامبالا-ندلولو” بلغة الزولو بالنسبة لي.

تقدمت مستبشرا مبتسما بشوش الوجه محاولا ابداء الجانب المهضوم جدا في شخصيتي، بعد أن حفظت عن ظهر قلب الكلمات الانجليزية التي علي أن اقولها كي تفهم الموظفة أن الكتاب الذي ابحث عنه غير موجود، ومتمنيا أن لا تجيب الموظفة بشيء غير الشيء الذي افترضته والذي بنيت عليه سلسلة الإجابات التالية والمعدة مسبقا التي وضعتها لتكون جاهزة كإجراءات احترازية في حالة كون الكتاب الذي أريده غير موجود لا قدر الله.

وقد كان الكتاب غير موجود فعلا.

لكن شيئا أنقذ الموقف. فالشاب الذي كان يكلم الموظفة قبلي لم يذهب حين تقدمت أنا، بل تنحى جانبا وظل واقفا على مقربة من الفتاة، كان يتكلم إحدى اللغات الافريقية من بين 11 لغة رسمية أخرى في جنوب أفريقيا. ولم أفهم ما كان يقوله للموظفة في البداية، ولم أدر انه عما قليل ستتكشف أمامي تفاصيل فلم وثائقي حي يجسد صورة من صور الوضاعة البشرية الذكورية.

يُتبع >>>

تم نشر الحلقة الثانية، هنا

http://personal.al-rasid.com/2011/11/at-uct-library2/

عن الراصد (معاذ خطيب)

الراصد - معاذ خطيب، مدوّن وناشط سياسي واجتماعي وأكتب في النقد الاعلامي والسينمائي. أعمل في الترجمة والتدقيق اللغوي وادارة العلاقات العامة. مسلم فخور بإسلامه، واتشرف دائما بإظهار محاسن الاسلام وبتصحيح مفاهيم مغلوطة عنه. إن اردت معرفة تفاصيل اخرى مهمة جدا، مثل لماذا يكرهني محبّو اللون الأحمر ، افتح ملفّي الفيسبوكي: http://fb.me/mouad.khateb . مدوّناتي الاخرى هنا: http://Al-Rasid.com

شاهد أيضاً

قصيدة إلى زائرتي ليلاً

أنتظر زيارتك كل ليلة تدخلين عليّ حجرتي، تدورين حول سريري، وبيديك الحانيتين تداعبينني أنام فقط …

7 تعليقات

  1. " الوضاعة البشرية الذكورية "…….يا ساتر O_o

  2. هههههه رائع يا معاذ …. لقد اضحكتني اضحك الله سنك :) …

ما رأيك بما قلتُه؟ أسعدني برأيك !!